تتسلل التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى حياة الأميركيين الذي يتلمسون الغلاء في يومياتهم، وإلى الشركات الصغيرة التي تواجه تحديات أبرزها نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف التشغيل.
يقول نيك فريدمان، الشريك المؤسس لشركة "كوليدج هنكس" لنقل الأثاث والخردة في تامبا، إن شركته تواجه تحديات جمة. فقد أدت أسعار الفائدة المرتفعة على الرهن العقاري إلى ركود سوق العقارات، بينما تُؤثر أقساط التأمين المتزايدة على تكاليف التشغيل.
اقرأ أيضاً: سوق العمل الأميركي يكسب.. 178 ألف وظيفة مضافة في مارس
والآن، هناك الحرب الأميركية الإيرانية وارتفاع أسعار وقود الديزل الذي يُقلل من هوامش الربح. ومع ذلك، فهو لا يشعر بأنه قادر على رفع الأسعار.
يقول فريدمان: "نحن في مأزق حقيقي. نخشى أن يؤدي رفع الأسعار إلى الإضرار بعملائنا".
ويضيف أن الشركات الكبرى ربما تستطيع فرض رسوم إضافية. ومع الارتفاع السريع في تكاليف الوقود الذي يُؤثر على الاقتصاد الأميركي، فإن هذا ما تفعله بعض الشركات بالفعل.
ارتفاع كلفة النقل
رفعت كل من "يونايتد إيرلاينز" و"جيت بلو" أسعار الأمتعة هذا الأسبوع. وأعلنت أمازون عن فرض "رسوم إضافية على الوقود" بنسبة 3.5% على البائعين.
وصفت أمازون الرسوم الإضافية بأنها "أقل بكثير" من الرسوم التي تفرضها شركات الطيران الكبرى الأخرى، وذلك في بيان لشبكة CNBC. وقالت شركة جيت بلو، في بيانٍ لها، إنه مع ارتفاع تكاليف التشغيل، "تُجري تقييماً دورياً لكيفية إدارة هذه التكاليف مع الحفاظ على أسعار تذاكر الطيران الأساسية تنافسية، ومواصلة الاستثمار في تجربة عملائنا التي يُقدّرونها".
أما بالنسبة لفريدمان، فإن هذا التقييم ليس بالأمر السهل. قال: "إذا كان لا بدّ من السفر جواً، فلا بدّ من السفر".
اقرأ أيضاً: الحرب والاقتصاد الأميركي.. مسؤول سابق بالفدرالي لـ CNBC عربية: "إدارة ترامب بلا خطة"
لكن بينما تدرس شركة فريدمان للنقل إمكانية رفع الأسعار، قال: "لا أعتقد أن لدينا هذا الخيار". يمكن للعملاء اختيار شركة نقل أرخص، وربما أقل أماناً، أو حتى الاستعانة ببعض الأصدقاء الذين يملكون شاحنات صغيرة للمساعدة في النقل، مما يجعل أسطول شركة "هانكس" المكون من 2000 شاحنة معطلاً بشكل متزايد. لكن تعبئة الشاحنات بالوقود مكلفة للغاية.
يقول فريدمان إن تكلفة الوقود كانت تاريخياً تتراوح بين 3 و5% من الإيرادات، لكنها تضاعفت إلى ما بين 6 و10% منذ بدء الحرب. ويضيف: "الأمر صعب للغاية من وجهة نظر تجارية". تعمل شركة "هانكس" بنظام الامتياز التجاري ولديها أكثر من 200 فرع، مما يضع العديد من أصحاب الامتياز في أوضاع غير مستقرة.
أسعار خام غرب تكساس الوسيط حتى الآن حتى عام 2026.
في حين أن شركة فريدمان معرضة بشكل خاص لتداعيات الحرب نظراً لاعتمادها على النقل بالشاحنات، فإن ارتفاع أسعار الديزل ووقود الطائرات سيؤثر على العديد من الشركات الأخرى.
"عادةً ما تبدأ الدورة بالإنفاق الاختياري. يتراجع المستهلكون أولاً عن شراء السلع الاختيارية"، كما يؤكد داكن فاندربورغ، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة ماس ميوتشوال ويلث.
ضريبة جديدة للمستهلكين
يقول فاندربيرغ إن ارتفاع أسعار الطاقة يُعدّ بمثابة ضريبة على المستهلكين، إذ يمتد تأثيره ليشمل العديد من السلع والخدمات. فإذا كانت الحرب وما يترتب عليها من اضطرابات قصيرة الأمد، سيلجأ المستهلكون إلى مدخراتهم لمواجهة التكاليف المرتفعة. أما إذا طال أمد النزاع، فسيدفعهم ذلك إلى تقليص إنفاقهم. وأضاف فاندربيرغ: "هذا يُبطئ النمو ويؤثر سلباً على الإنفاق، وبسرعة كبيرة".
اقرأ أيضاً: الضباب الاقتصادي يُصعّب صنع السياسة النقدية.. ما هي آخر تصريحات مسؤولي الفدرالي الأميركي؟
وبينما توقع كثيرون في السوق أن يُحدد خطاب الرئيس دونالد ترامب للأمة في وقت سابق من هذا الأسبوع نهاية الحرب، إلا أن تصريحاته تركت الجدول الزمني غامضاً وأثارت حالة من عدم الاستقرار في السوق.
وعلى عكس الصدمات الاقتصادية السابقة التي تعرض لها النظام الاقتصادي، مثل الركود الكبير أو جائحة كوفيد-19، ستكون الأدوات المتاحة للحكومة للتخفيف من آثار الحرب على الشركات والمستهلكين أقل. وقال فاندربيرغ: "من غير المرجح أن تتدخل السياسات لإنقاذ الاقتصاد كما فعلت خلال جائحة كوفيد-19".
خيارات الفدرالي
ويواجه الاحتياطي الفدرالي الأميركي معضلة حقيقية. فلم يُشر البنك المركزي إلى أي احتمال أكبر لخفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد، نظراً لخطر ارتفاع التضخم.
في الواقع، راهن السوق مؤخراً على أن الاحتياطي الفدرالي سيرفع أسعار الفائدة على الأرجح نظراً لارتفاع أسعار النفط.
لكن رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أشار هذا الأسبوع أيضاً إلى أنه لا يرى سبباً للنظر في رفع أسعار الفائدة، مشيراً إلى أن الصدمات النفطية قصيرة الأجل عادةً ما تتجاهلها البنوك المركزية عند تحليل التضخم، وأن توقعات التضخم على المدى الطويل لا تزال مستقرة.
صدمة سعرية شاملة
يعتمد الاقتصاد الأميركي، أكثر من اقتصادات العديد من الدول الأخرى، على الإنفاق الاستهلاكي، حيث يُشكل المستهلكون ما يقرب من ثلثي الاقتصاد. وأوضح فاندربيرغ أن وجهة إنفاق هذه الأموال ستحدد مسار الاقتصاد. وبينما كان الاقتصاد يشهد تباطؤاً حتى قبل اندلاع الحرب، أشار إلى وجود عامل تخفيف واحد للمستهلك الأميركي مقارنةً بأزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت الولايات المتحدة أقل اعتماداً بكثير على النفط المستورد. لكنه أضاف أن هذا التخفيف لن يُخفف من حدة الصدمة.
ويشير هيرمان نيوفودت، رئيس شركة IFS للطاقة والموارد: "نتجه نحو ضغوط متزايدة ومستدامة على التكاليف في جميع الصناعات التي تتعامل مع الوقود، أي جميع الصناعات تقريباً".
ويؤكد نيوفودت أن ما نشهده الآن ليس مجرد صدمة سعرية واحدة.
ويضيف: "إنها نتيجة أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، والذي تراكم على ست سنوات من التقلبات الهيكلية". ويتابع: "تنتشر هذه الاضطرابات عبر قطاعات التصنيع والتعبئة والتغليف والزراعة والنقل والتجزئة بطرق تستغرق شهوراً حتى تتحقق بالكامل".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي